ابن عساكر
128
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
كنت جالسا في مسجد مالك بن أنس ، حتى إذا استأذن عليه سفيان بن عينية قال مالك : رجل صالح وصاحب سنة ، أدخلوه . فلما دخل ، سلّم ثم قال : السلام خاص وعام ، السلام عليك أبا عبد اللّه ورحمة اللّه وبركاته . فقال له مالك : وعليك السلام أبا محمد ورحمة اللّه وبركاته ، وقام إليه وصافحه وقال : لولا أنه بدعة لعانقتك . قال سفيان : قد عانق من هو خير مني من هو خير مني ومنك . فقال له مالك : النبي صلى اللّه عليه وسلم جعفرا ؟ قال له سفيان : نعم ، فقال مالك : ذاك حديث خاص ليس بعام . فقال له : ما عم جعفرا يعمّنا ، وما خصّه يخصّنا ، إذا كنا صالحين ، ثم قال له سفيان : يا أبا عبد اللّه أتأذن لي أن أحدث في مجلسك ؟ فقال له مالك : نعم ، فقال سفيان : اكتبوا : حدثنا عبد اللّه بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس أن جعفر بن أبي طالب لما قدم من أرض الحبشة ، تلقاه النبي صلى اللّه عليه وسلم واعتنقه ، وقبّل ما بين عينيه وقال : « مرحبا بأشبههم بي خلقا وخلقا » [ 14126 ] . وعن جابر قال : لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة ، تلقاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما نظر جعفر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حجل « 1 » - مشى على رجل واحدة - إعظاما منه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقبّل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين عينيه وقال له : « يا حبيبي ، أنت أشبه الناس بخلقي وخلقي ، وخلقت من الطينة التي خلقت منها . حدثني ببعض عجائب أرض الحبشة » قال : نعم ، بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ، بينا أنا سائر في بعض طرقاتها إذا بعجوز على رأسها مكتل « 2 » ، فأقبل شاب يركض على فرس له ، فرجمها فألقاها لوجهها ، وألقى المكتل عن رأسها ، فاسترجعت قائمة ، وأتبعته النظر وهي تقول : الويل لك غدا إذا جلس الملك على كرسيّه فاقتصّ للمظلوم من الظالم . قال جابر : فنظرت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإن دموعه على لحيته مثل الجمان « 3 » ، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا قدّس اللّه أمة لا تأخذ للمظلوم حقه من الظالم غير متعتع « 4 » » [ 14127 ] . وكان قدوم جعفر من الحبشة سنة سبع .
--> ( 1 ) حجل المقيّد يحجل حجلا وحجلانا رفع رجله وتريّث في مشيه على رجله ( تاج العروس : حجل ) . ( 2 ) مكتل : كمنبر ، زنبيل يحمل فيه التمر أو العنب إلى الجرين ، قيل إنه يسع خمسة عشر صاعا . والجمع المكاتل . ( تاج العروس : كتل ) . ( 3 ) الجمان : اللؤلؤ نفسه ، الواحدة جمانة ( تاج العروس : جمن ) . ( 4 ) متعتع بفتح التاء : أي من غير أن يصيبه أذى يقلقه ويزعجه ( النهاية ) .